Sun. Jul 21st, 2019

هنا العرب

وحدوا الراية والصف والكلمة ياابناء الامة العربية

كومونة باريس… حراك الجزائر ومصنع الشائعات

سعيد خطيبي

الحراك السلمي يتواصل وسوق الشائعات يزدهر، وهو أمر غير مفاجئ، فالتاريخ ليس سوى كرة يتسلى بها هواة في الجزائر، لا يكتبون ولا يتحققون من المعلومات، بل يكتفون بتبادل الآراء والتخمينات والاتهامات، بين الفينة والأخرى. من بين الشائعات التي ظهرت مع بدء الحراك، وكادت تصير من المُسلمات، أن المتظاهرين الذين يخرجون إلى الشارع، مرتدين وشاحا أحمر، إنما يتماهون مع ناشطي الثورة الفرنسية الرابعة، أو ما يُسمى ﺑ»كومونة باريس» (1871)، وأنهم مندسون يودون تحويل مسار الحراك. بدأت تلك الشائعة من مواقع التواصل الاجتماعي، واعتقدنا أن الأمر سيتوقف هناك، قبل أن تلتحق تلفزيونات خاصة بتلك الحملة التشهيرية الملغمة، والأسوأ من ذلك أن نسمع أستاذا في الجامعة يتفق مع رئيس حزب سياسي بالقول إن استلهام تجربة «كومونة باريس» ليس سوى مغازلة للاستعمار. هل بلغ تشويه التاريخ هذه الدرجة؟ هل يغفل الناس عن أن من أشعلوا كومونة باريس كانوا من الداعين إلى سحب الاستعمار من الجزائر؟ ليس مهما أن نُعيد سرد كل تاريخ كومونة باريس، التي دامت شهرين، لكننا سنتحدث عن امرأة واحدة، من رموز تلك الثورة، وعلاقتها بالجزائر آنذاك، من أجل أن نفهم لماذا يحق لحراك الجزائر السلمي أن يستلهم الثورة الفرنسية الرابعة.
شهر أكتوبر/ تشرين الأول 1904، جرف وادي عين الصفراء جسد إيزابيل إيبرهارت النحيف، لم يمهلها ولم يرأف بها ودُفنت هناك، بينما كانت تحضر نفسها لملاقاة امرأة أخرى، تشبهها: فوضوية وابنة غير شرعية، تعرف أمها وتجهل هوية أبيها، اسمها لويز ميشال، وُلدت في العام الذي احتلت فيه فرنسا الجزائر (1830)، وجاءت عاما قبل وفاتها كي تدين سياسة بلادها الخارجية. نوت إيزابيل أن تُرافق لويز في جولة عبر جنوب غرب الجزائر، قصد إدانة الاستعمار، وتوصيل الصورة إلى الفرنسيين في المتروبول، لكن ذلك لم يتم، واكتفت لويز بمرافقة صديق لها يُدعى إرنست جيرو في مدن شمالية. زارت لويز ميشال الجزائر العاصمة، تيزي وزو، قسنطينة، سطيف، ثم البليدة، غليزان، معسكر ومستغانم، وألقت محاضرات عن الحق في التحرر، المساواة بين الجنسين، عن حق المرأة في الإجهاض والامتناع عن الحمل، والحق في التعليم، وفي الحث على مواجهة العسكر. وألقت جملتها الشهيرة آنذاك: «النساء لا يلدن أطفالا بل يصنعن مواطنين». كانت لويز ميشال من أوائل المناضلات الفرنسيات، من أجل جزائر حرة، وهي التي خرجت من رحم كومونة باريس، وجعلت فيكتور هوغو يصفها – حينها – قائلا: «إنها أكبر من امرأة». أما جون جوراس فقد وصفها ﺑ»اللائكية المقدسة». لكن كيف نشأت علاقة لويز ميشال مع الجزائر؟ تلك قصة أخرى تستحق أن نتوقف عندها.

تاريخ لويز ميشال النضالي وعلاقتها بالجزائر ودفاعها عن تحررها يتوارى، ولا يظهر على السطح اليوم سوى تاريخ بلا سند، تريد السلطة أن تجعل منه تاريخا رسميا، تحرف فصوله كيفما تشاء وتوزيع النياشين على من تشاء.

كومونة باريس وحراك الجزائر هما ثورتان حميمتان وشعبيتان، تلتقيان في أكثر من نقطة مشتركة، كلاهما اندلع من شعور بالإذلال، من خيبة من السلطة الحاكمة، من تزايد الطبقية، وسطوع الأثرياء الجدد. في فرنسا آنذاك غامرت الحكومة بالزج بالبلد في حرب غير متكافئة، وفي الجزائر ورطت الحكومة البلد في خيارات خاطئة، وفي الحالتين دفع الشعب الضريبة، وارتفعت معدلات الفقر، الذي تحول إلى غضب، وكلا الثورتين اندلعتا شتاء، ويهمنا اليوم أن نستفيد من درس لويز ميشال، التي عملت مدرسة، ثم تراسلت مع فيكتور هوغو، الذي كان أول من يقرأ قصائدها، التي أبدا لم توقعها باسمها الحقيقي، بل باسم مستعار، قبل أن تقترب من الأوساط اليسارية الثورية في باريس، وتصير أمينة عامة في اتحاد الشعراء. عندما اندلعت الثورة في باريس (مارس/آذار 1871)، وقفت في الصفوف الأولى، تحمل علما أحمر دلالة على الدماء التي سالت، وتحولت في وقت قصير إلى واحدة من أبرز وجوهها، ولم تهادن في خطاباتها بحل الحكومة، وطرد ممثلي السلطة، ومنح الشعب حق الاختيار، بشكل يذكرنا في ما يحصل في الجزائر الآن، حيث لم يتوان الشعب عن المجاهرة برفض الحكومة التي أورثها إياه الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، ويريد حكومة برئيس آخر يكون حرا في انتخابه. هذا جزء من تاريخ مشترك بين ثورتين، يحاول البعض الفصل بينهما، بإثارة الشائعة، وتخوين كل من يتحدث عن كومونة باريس، فقد رسخت الأنظمة السابقة فكرة خاطئة في العقول، أن كل ما له علاقة بفرنسا، فهو مرتبط بالاستعمار، ونكاد نختصر بلدا عريقا في تصورات شوفينية ضيقة، لكن قدر لويز ميشال لم يكتمل كما أرادته، فالعسكر خرجوا من ثكناتهم، أجهضوا الثورة وتحول تاريخ المرأة من نضال في شمال المتوسط إلى جنوبه، فقد اشتغلت آلة الثورة المضادة ضد كومونة باريس واعتقلت لويز، ثم حكم عليه بالترحيل… إلى كاليدونيا الجديدة عام 1873. هناك استعادت وظيفتها في التعليم، ولكن ليس لتعليم فرنسيين، بل لتعليم جزائريين مهجرين إلى تلك الجزيرة، وأغلبهم ممن شاركوا في ثورة المقراني ضد الاستعمار، ووجدوا أنفسهم معتقلين ومنفيين إلى هناك في المحيط الهادي، ويلتقون بلويز ميشال وتعرف منهم ما يحصل في الجزائر، فتقرر زيارة البلد بمجرد إطلاق سراحها وعودتها إلى فرنسا، وعلى غرار فيكتور هوغو، الذي نشر رواية «البؤساء»، فقد نشرت لويز ميشال رواية تندرج في الخط نفسه بعنوان «البؤس». وبعدما أتمت جولتها في الجزائر، ودعوتها إلى إعادة جيش الاستعمار إلى بلده، قامت بجولة مماثلة في فرنسا، قبل أن تتوفى، ويخرج الآلاف في باريس في تشييعها، شهرين فقط بعد رحيل صديقتها ـ التي لم تلتقها – إيزابيل إيبرهارت.
تاريخ لويز ميشال النضالي وعلاقتها بالجزائر ودفاعها عن تحررها يتوارى، ولا يظهر على السطح اليوم سوى تاريخ بلا سند، تريد السلطة أن تجعل منه تاريخا رسميا، تحرف فصوله كيفما تشاء وتوزيع النياشين على من تشاء، كما حصل قبل أيام مع المناضل لخضر بورقعة، واحد من مناضلي حرب التحرير، الذي وجد نفسه ـ بسبب معارضته للسلطة الحالية – في السجن، واسمه يشوه في التلفزيون الرسمي، ولن تتوقف ماكنة التحريف هنا، فمثلما أشاعت السوء بتاريخ كومونة باريس، رغم تقاطع أسبابها (وليس مجرياتها) مع حراك الجزائر، فقد تكرر الفعل ذاته مع أحداث تاريخية وشخصيات أخرى، فالسيطرة على الحاضر تبدأ من تطويع الماضي وتدليسه وإعادة كتابته.

٭ كاتب من الجزائر

شروط التعليق: التزام زوار "هنا العرب" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Copyright © All rights reserved | Hunaalarab